الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
235
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
في الواقع إن سبب الاتجاه إلى غير الله إما لتصورهم أن ما يتجهون إليه مصدر الخيرات ، وإما لاعتقادهم بقدرته وأنه يدرأ عنهم المصائب ويحل لهم مشاكلهم ، والخضوع إلى حد العبادة لذوي السلطان والمال والقوة ينشأ من أحد هذين الدافعين ، هذه الآية تبين أن إرادة الله حاكمة على كل شئ ، فإذا منع عن أحد نعمة ، أو منح أحدا نعمة ، فما من قدرة في العالم تستطيع أن تغير ذلك ، فلماذا إذن يطأطئون رؤوسهم خضوعا لغيره ؟ إن استعمال " يمسسك " في الخير والشر ، وهي من " مس " ، تشير إلى أن الخير والشر - مهما قل - لا يكون إلا بإرادته وقدرته . ثم إن الآية المذكورة تدحض فكرة " الثنويين " القائلين بمبدأي " الخير " و " الشر " وعبادتهما ، وتقول إن الاثنين كليهما من جانب الله ، ولكننا سبق أن قلنا أن ليس ثمة شئ اسمه " الشر المطلق " . وعليه فعندما ينسب الشر إلى الله فإنما يقصد به على الظاهر " سلب النعمة " وهو بحد ذاته " خير " ، فهو إما أن يكون للإيقاظ والتربية والتعليم وكبح حالات الغرور والطغيان والذاتية ، أو لمصالح أخرى . وفي الآية التي تليها إكمال للبحث ، فيقول : وهو القاهر فوق عباده . " القاهر " و " الغالب " وإن كانا بمعنى واحد ، إلا أنهما من جذرين مختلفين ، " القهر " يطلق على ذلك النصر الذي يتحقق دون أن يتمكن الطرف المقهور من إبداء أية مقاومة ، وفي كلمة " الغلبة " لا يوجد هذا المعنى ، وقد تحصل بعد المقاومة ، وبعبارة أخرى : القاهر يقال لمن يكون تسلطه على الطرف الآخر من الشمول بحيث إنه لا يستطيع المقاومة مطلقا كصب سطل من الماء على جذوة صغيرة من النار فيطفؤها فورا . يرى بعض المفسرين أن " القهر " تستعمل حيث يكون المقهور كائنا عاقلا ،